Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

واشنطن وإعادة تموضع العراق داخل "هندسة إقليمية" جديدة تربط الأمن بالطاقة وتوازنات النفوذ في المنطقة

علي الطالقاني علي الطالقاني الاثنين، 15 يونيو 2026 0 دقائق للقراءة
واشنطن وإعادة تموضع العراق داخل "هندسة إقليمية" جديدة تربط الأمن بالطاقة وتوازنات النفوذ في المنطقة

لا يبدو العراق في الحسابات الأمريكية الحالية ملفاً منفصلاً عن محيطه، وانما جزءاً من فضاء جيوسياسي أوسع يضم سوريا وتركيا وإيران ودول المنطقة الأخرى. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحركات الأمريكية باعتبارها محاولة لإدارة مجموعة من الملفات المترابطة ضمن رؤية إقليمية واحدة تتجاوز الحدود السياسية التقليدية بين الدول.
ويأتي قرار إدارة الرئيس ترامب في أواخر ايار/مايو 2026 بتعيين السفير توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً للعراق وسوريا، مع احتفاظه بمنصبه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا. هذا الترتيب الإداري أو الدبلوماسي، يعكس اتجاهاً أمريكياً نحو دمج ملفات العراق وسوريا وتركيا في إطار واحد، فان واشنطن باتت تنظر إلى أمن الحدود، والطاقة، والحركات المسلحة، والأوضاع الاقتصادية بوصفها ملفات مترابطة يصعب التعامل معها بصورة منفصلة. لذلك فإن وجود شخصية واحدة تتولى متابعة هذه الساحات يمنح الإدارة الأمريكية قدرة أكبر على الربط بين التطورات في كل دولة وتأثيراتها على الدول الأخرى.
وفي العراق تحديداً، يبدو أن واشنطن تنظر إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية. فالتصريحات الأمريكية الأخيرة، ومنها إشادة توم باراك بقرار دمج بعض الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، تعكس اهتماماً بمسار إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة.
غير أن هذا الملف يرتبط بالاعتبارات الأمنية ويمتد إلى توازنات النفوذ الداخلي والعلاقات الإقليمية، خصوصاً في ظل ارتباط بعض الفصائل بقوى خارجية فاعلة.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذا الاهتمام عن الرؤية الأمريكية المتعلقة بالنفوذ الإيراني في العراق، فواشنطن تنظر إلى العراق باعتباره إحدى الساحات الرئيسية للتنافس مع طهران، وترى أن تقليص نفوذ الفاعلين غير الحكوميين يسهم في الحد من التأثير الإيراني.
ولهذا السبب تبرز بين الحين والآخر دعوات لتشديد الرقابة على المنافذ المالية والمصرفية ومنع استخدام الأراضي العراقية أو النظام المالي العراقي للالتفاف على العقوبات المفروضة على سوريا أو إيران.
في المقابل، لا تبدو السياسة الأمريكية مقتصرة على الأدوات الأمنية فقط، إذ يحتل الاقتصاد والطاقة موقعاً مركزياً في هذه المقاربة، فان العراق يمتلك موقعاً مهماً في خريطة الطاقة الإقليمية، كما أن التطورات في سوريا تفتح الباب أمام مشاريع نقل النفط والغاز نحو البحر المتوسط.
ومن هنا تبرز مشاريع مثل إعادة تشغيل (خط كركوك – بانياس)، أو توسيع مشروع أنبوب الغاز العربي، باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع لإعادة رسم خرائط الطاقة وربطها بالاستقرار السياسي والأمني.
كما أن الاهتمام الأمريكي بالعلاقة بين بغداد وأربيل لا ينفصل عن هذه الاعتبارات، فان الخلافات المتعلقة بالنفط والإيرادات والصلاحيات الدستورية تنظر إليها في واشنطن كعامل مؤثر في استقرار سوق الطاقة وفي قدرة العراق على تبني سياسات متماسكة تجاه الملفات الإقليمية. لذلك غالباً ما يتم تحفيز الأطراف نحو تفاهمات تقلل من حدة التوتر بين بغداد وأربيل.
وفي الوقت نفسه، يبرز البعد السوري والتركي بوضوح في الرؤية الأمريكية، فالتعامل مع العراق وسوريا وتركيا من خلال مسؤول واحد يعكس محاولة لربط ملفات الحدود ومكافحة الإرهاب والطاقة والتجارة ببعضها البعض، انطلاقاً من إدراك أن هذه الملفات مترابطة ولا يمكن فصلها عملياً.
أما ملف مكافحة الإرهاب، فما زال يحتفظ بمكانته التقليدية في العلاقات العراقية الأمريكية، فعلى الرغم من تراجع تنظيم داعش، فإن بقاياه ما زالت تشكل مصدر قلق أمني في العراق وسوريا، ما يجعل التنسيق الأمني بين الأطراف مستمراً ضمن حدود منع إعادة إنتاج تهديدات مشابهة.
في المحصلة، أن الولايات المتحدة تتعامل مع العراق كجزء من منظومة إقليمية مترابطة تشمل سوريا وتركيا، ويبدو أن الهدف هو إدارة التوازنات الإقليمية عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية، مع السعي إلى تقليل مساحات النفوذ المنافس، خصوصاً في البيئات الهشة أو غير المستقرة.
ويبقى نجاح هذه المقاربة مرتبطاً بعوامل متعددة، أبرزها قدرة العراق على إدارة توازناته الداخلية، وطبيعة علاقاته الإقليمية، ومستوى التنسيق بين القوى الفاعلة داخل الدولة، إضافة إلى مسار التطورات في سوريا وتركيا والمنطقة ككل.
                                                                                                 

*  علي الطالقاني، رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!