كلايد راسل-رويترز
من المرجح أن يكون أحد الآثار طويلة الأمد لحرب إيران هو
تجدد المساعي لدى الدول المستوردة للطاقة لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
لكن السؤال الأساسي الذي يواجه هذه الدول هو: كيف يمكن
تحقيق ذلك بطريقة منخفضة التكلفة، ومقبولة سياسيًا، ومن دون خلق نقاط ضعف جديدة؟
وهذه ليست مهمة سهلة.
غالبًا ما يُطرح النقاش حول أمن الطاقة ضمن الانقسام
السياسي بين اليسار واليمين.
فالتقدميون يرون عادة أن الحرب تؤكد ضرورة تسريع التحول
إلى مصادر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، بينما يرى المحافظون أنها أظهرت
الحاجة إلى زيادة إنتاج النفط والغاز ومصادر الوقود الأحفوري الأخرى في مناطق خارج
الشرق الأوسط.
وأدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على
إيران في 28 فبراير/ شباط إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا.
وكان هذا الممر البحري الضيق ينقل قبل إغلاقه ما يقرب من
20% من النفط الخام والمنتجات النفطية
المكررة والغاز الطبيعي المسال في العالم.
ولا تزال الأسواق تراهن على إعادة فتح المضيق في نهاية
المطاف، لكن المخاطر المرتبطة بنقل النفط الخام والوقود من منطقة الخليج تغيرت
خلال الأشهر الخمسة الماضية، إذ من المرجح أن ينتهي الأمر بإيران إلى فرض شكل من
أشكال السيطرة على حركة السفن عبر هذا الممر البحري الحيوي.
وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد الوقود، تمثل
حرب إيران ثاني أزمة كبيرة خلال أربع سنوات.
ففي عام 2022، أدت الحرب الروسية على أوكرانيا إلى ارتفاع
أسعار النفط الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال والفحم الحراري في الأسواق
العالمية، وسط مخاوف من احتمال تراجع صادرات روسيا من هذه المواد.
ومن الواضح أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولًا،
ولذلك يبرز السؤال: كيف يمكن تحقيق أمن الطاقة في المرحلة المقبلة؟
وتقدم أستراليا، التي تعد أكبر مستورد للديزل في العالم،
مثالًا واضحًا على المعضلة التي تواجه الدول المستوردة للوقود.
فهل ينبغي للبلاد إعادة إحياء صناعة تكرير النفط بعد عقود
من إغلاق معظم مصافيها؟ أم عليها تسريع التحول إلى السيارات والمركبات الكهربائية
لتقليل اعتمادها على الوقود المستورد؟
الإجابة معقدة، لكنها تحمل دروسًا مهمة يمكن أن تنطبق على
دول أخرى.
فكرة إعادة تشغيل المصافي
تعتمد أستراليا على الاستيراد لتلبية نحو 80% من احتياجاتها من الوقود السائل.
وكان لدى البلاد ثماني مصافٍ نفطية عاملة في بداية القرن
الحالي، لكن عددها انخفض إلى مصفاتين فقط، وكلتاهما صغيرتان نسبيًا، إذ تبلغ
الطاقة الإنتاجية لكل منهما ما يزيد قليلًا على 100 ألف برميل يوميًا.
واستوردت أستراليا في عام 2025 نحو 861 ألف برميل يوميًا من المشتقات النفطية الخفيفة
والمتوسطة، شكل الديزل نحو 60% منها، وفق بيانات شركة "كبلر"
المتخصصة في تحليل أسواق السلع.
أدت مخاطر استمرار اضطرابات الإمدادات والارتفاع الحاد في
الأسعار إلى إعلان الحكومة الأسترالية مؤخرًا تخصيص 4 ملايين دولار أسترالي (2.8
مليون دولار أميركي) لإجراء دراسة أولية حول جدوى إنشاء مصفاة نفط جديدة. وإذا تم
تنفيذ المشروع، فستكون هذه أول مصفاة من هذا النوع تُبنى في أستراليا منذ 60 عامًا.
وتتمثل الخطة الأساسية في بناء المصفاة في ولاية أستراليا
الغربية، بهدف تزويد قطاعي التعدين والزراعة بالوقود.
وتبلغ مساحة الولاية نحو خمسة أضعاف مساحة فرنسا، لكنها
لا تضم سوى 3 ملايين نسمة، وتستورد نحو 200 ألف برميل يوميًا من المشتقات النفطية
الخفيفة والمتوسطة، وفق بيانات شركة "كبلر".
وطرحت شركة بيردامان، المتخصصة في إنتاج الأسمدة
واليوريا، فكرة إنشاء المصفاة، ووصفتها بأنها "نقلة نوعية في أمن الوقود
الأسترالي".
وقد يكون ذلك صحيحًا، لكن السؤال الأساسي هو: من سيدفع
تكاليف المشروع؟
فإنشاء مصفاة حديثة وقابلة للاستمرار اقتصاديًا يتطلب
طاقة إنتاجية لا تقل عن 300 ألف برميل يوميًا. كما يجب أن تكون المصفاة متطورة بما
يكفي لتحويل النفط الخام بصورة رئيسية إلى المشتقات الخفيفة والمتوسطة، نظرًا إلى
محدودية الطلب على أنواع الوقود الثقيلة المتبقية.
وتُقدّر تكلفة إنشاء مصفاة مماثلة في غانا بنحو 12 مليار
دولار، ومن المرجح أن تكون التكلفة في أستراليا أعلى بكثير بسبب ارتفاع تكاليف
العمالة والأراضي.
كما ستحتاج أي مصفاة جديدة إلى منشآت لتفريغ النفط الخام
وقدرات لتصدير المنتجات النفطية، إضافة إلى خزانات تخزين قادرة على الاحتفاظ
باحتياطي استراتيجي يعادل 90 يومًا من واردات النفط الخام.
ومن الممكن بالتأكيد بناء مثل هذه المصفاة، لكن السؤال هو
ما إذا كانت تكلفتها تستحق ذلك، خصوصًا أنها لن توفر بالضبط أمنًا كاملًا للطاقة.
فهي ستنقل الاعتماد من استيراد المنتجات النفطية المكررة
إلى استيراد النفط الخام.
كهربة كل شيء
فهل سيكون من الأفضل بدلًا من ذلك تشجيع شركات التعدين
والمزارعين على تحويل عملياتهم إلى الطاقة الكهربائية؟
"مجموعة فورتسكو للمعادن" Fortescue Metals Group
تسير بالفعل في هذا الاتجاه، وتقول ثالث أكبر شركة
لتعدين خام الحديد في أستراليا إن هذه الخطوة بدأت تحقق فوائد ملموسة.
وتظهر بيانات موقع"رينيو إيكونومي" "Renew Economy" المتخصص
في الطاقة النظيفة أن اعتماد فورتسكو على مركبات التعدين الكهربائية وتوليد
الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة يحقق لها فائدة صافية سنوية تبلغ 1.2 مليار
دولار أسترالي (840 مليون دولار أميركي) مقارنة باستخدام الديزل والغاز الطبيعي
لتوليد الطاقة.
وليس عمال المناجم والمزارعون وحدهم من قد يستفيدون من
التحول إلى الكهرباء.
فالمستهلكون الأستراليون يتجهون أيضًا بصورة متسارعة نحو
السيارات الكهربائية والهجينة.
واقتربت مبيعات السيارات الكهربائية، والسيارات الهجينة
القابلة للشحن، وما يعرف بالسيارات الهجينة "الخفيفة" ــ وهي سيارات
تحتوي على بطارية صغيرة ومحرك كهربائي، لكنها لا تستطيع العمل بالطاقة الكهربائية
وحدها ــ من نصف إجمالي مبيعات السيارات للشهر الثاني على التوالي في يوليو/تموز،
وفق بيانات غرفة صناعة السيارات الفيدرالية الأسترالية.
وتجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية في يوليو/تموز ثلاثة
أضعاف مبيعاتها في الشهر نفسه من العام السابق، بينما ارتفعت مبيعات السيارات
الهجينة القابلة للشحن بنسبة 157%، وقفزت مبيعات السيارات الهجينة الخفيفة بنسبة
206%.
ويشير ذلك إلى أن المستهلكين يستجيبون للمخاوف المتزايدة
بشأن أمن إمدادات الوقود.
التحول الهجين
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن من الممكن أن تستفيد
أستراليا من اتباع المسارين معًا، ولو بدرجات متفاوتة.
فعلى الرغم من ارتفاع تكلفة بناء مصفاة جديدة، فإن وجود
مثل هذه المنشأة يمكن أن يوفر قدرًا من الحماية في مواجهة أزمة الوقود المكرر التي
يشهدها العالم حاليًا.
وفي الوقت نفسه، يمكن لاتباع خطة تجمع بين الخيارين أن
يقلل الكلفة السياسية للتحول في مجال الطاقة، ويمنح البلاد وقتًا لتسريع التحول
إلى الكهرباء في المجالات التي يكون فيها ذلك منطقيًا من الناحية الاقتصادية.
وتقر هذه الاستراتيجية بأن الوقود الأحفوري من المرجح أن
يظل جزءًا من مزيج الطاقة العالمي لما لا يقل عن عقدين آخرين، مع العمل في الوقت
نفسه على تقليل الاعتماد عليه.
وهذا درس ستحتاج معظم الدول المستوردة للطاقة إلى تعلمه،
وهناك مؤشرات على أن هذه العملية بدأت بالفعل.
فعلى سبيل المثال، تتبنى فيتنام سياسات تهدف إلى زيادة
إنتاج ومبيعات السيارات الكهربائية محليًا، إلى جانب الدراجات الكهربائية، وهو
تحول مهم نظرًا إلى أن الدراجات النارية هي وسيلة النقل الشخصية الأكثر شعبية في
هذا البلد الواقع في جنوب شرق آسيا، والذي يبلغ عدد سكانه نحو 102 مليون نسمة.
وبالمثل، تستهدف إندونيسيا امتلاك أسطول حافلات يعمل
بالكامل بالكهرباء بحلول عام 2045، كما تشجع التحول إلى الدراجات الكهربائية والسيارات
الكهربائية.
أما تايلاند، فتقدم دعمًا يصل إلى 100 ألف باهت (3020
دولارًا) عند شراء السيارات الكهربائية، في وقت تعمل فيه على التوسع سريعًا في
إنشاء البنية التحتية لمحطات شحن السيارات الكهربائية.
وسيختلف الحل المناسب
لتحقيق أمن الطاقة من دولة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو الحاجة
إلى تنويع مصادر الطاقة؛ سواء من حيث الدول والمناطق التي تحصل منها على الطاقة،
أو من حيث أنواع الطاقة التي تعتمد عليها.
الجميع يريد أمنًا للطاقة بعد حرب إيران.. لكن كيف يمكن تحقيقه؟
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!