Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

ملتقى النبأ للحوار يناقش في بغداد: غياب دور المثقف العراقي عن المشهد السياسي

الخميس، 12 مارس 2026 1 دقائق للقراءة
ملتقى النبأ للحوار يناقش في بغداد: غياب دور المثقف العراقي عن المشهد السياسي


تبقى جذور الحقيقة ظمأ تحتاج إلى ينابيع تنهل من روافد صادقة وموضوعية، ومسؤولية المثقف التزام أخلاقي في كل ما يكتبونه، وكلماته ورؤاه (صفارة إنذار)، لإيقاظ غفوة الناس من التهديدات التي تكتنف واحات الثقافة والحرية والأمان. وفي ظل تداعيات متأرجحة بعد عام 2003 متمثلة في بوصلة إعلامية وسياسية، ربما تكون سلعة لمن يدفع ثمناً أكثر.

وتتباين مستويات الفهم لدى المثقفين بشأن غيابهم عن المشهد السياسي، إذ أن هناك من يفهمه بمعنى التقيد والالتزام نصياً من قبل المؤسسة التي يعمل بها، وهنالك أيضاً من يترجمه بقيم الدفاع عن الثوابت الوطنية، وتبقى الآراء شتى، بضياع المعيار المهني وأهمية دور المثقف (إن الخبر مقدس والتعليق حر)، وهذه قاعدة يجب أن لا تُسلب من المثقف حقه في تشخيص الواقع السياسي واستخلاص المعطيات المطروحة، بل إن المسؤولية الأخلاقية والمهنية تجعله، ومن غير دوافع، يسعى للحضور الميداني والمؤثر، بعيداً عن كل مجسات السياسيين المرتبطة بمصالحهم الضيقة.

عقد ملتقى النبأ للحوار / مكتب بغداد ملتقاه الحواري تحت عنوان (غياب دور المثقف العراقي عن المشهد السياسي) على قاعة مصطفى جواد في المركز الثقافي البغدادي / شارع المتنبي. شهدت الحلقة حضور مجموعة رائدة من الكتاب والفنانين وشخصيات أكاديمية وسياسية، تمثلت بالروائي حسن البحار، والروائي والإعلامي خالد الوادي، والروائي صادق الجمل، والموسوعي والخبير القانوني طارق حرب، والسياسي والنائب السابق فوزي أكرم ترزي، والشاعر غالي الخزعلي، والمخرج علي كاظم، ونخبة من كادر ملتقى النبأ للحوار تمثلت بالأستاذ الكاتب علي الطالقاني مدير الملتقى، والأستاذ حيدر الجراح مدير مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، وموفد وكالة النبأ للأخبار الإعلامي خالد سلام، ومدير العلاقات الأستاذ عدي الحاج، والإعلامي الأستاذ فلاح الحسيني، فكانت الأفكار والرؤى تتلاقح وكلٌ دلّ بدلوه.

إدارة الجلسة

الفنان التشكيلي فهد الصكر، الذي أدار جلسة الحوار، بدأها مرحباً باسم ملتقى النبأ للحوار "للمشاركة الفعالة والحضور الواسع ضمن المشهد الثقافي الذي يعمل الجميع جاهدين لترميمه. عبر حلقات حوارية مماثلة خلال الأيام القادمة لبحث واكتشاف ما هو مخبوء." وتابع: "اليوم نبدأ في واحدة من الموضوعات الشائكة وهي 'غياب دور المثقف العراقي عن المشهد السياسي'. واستدرك قائلاً: 'جوليان بندا' في كتابه (خيانة المثقفين) إن المثقفين الحقيقيين يشكلون طبقة العلماء أو المتعلمين بالغة الندرة حقاً، لأن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق والعدل، وهي التي لا تنتمي إلى هذه الدنيا'."

أما "أنطونيو غرامشي" فهو يذكر في مذكراته (السجن) "أن جميع الناس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس"، وهو من يقول: "كل من يعمل في أي مجال يتصل بإنتاج المعرفة ونشرها هو مثقف". وأضاف: "لو بحثنا عن كلمة 'المثقف' في العنوان العربي نجدها غائمة المعنى ويصعب التكهن بها ويستحيل أن نضعها في إطار أو شعار محدد، وغالباً ما يُراد، وربما عمداً، أن يفرض البعض معادلة أو إشكالية (السياسي والمثقف) على ورقة عمل العراق التي تزدحم فيها الإشكاليات الشرعية وذات الأولوية، لتكون متنفساً غير شرعي لأصحابها."

موضحاً أن "من يثير أو ينكأ أواصر تلك المعادلة هو بعض من المثقفين، وكأن السياسيين قد سلبوهم عروشهم."

ربما تكتسب إشكالية السياسي والمثقف مبرراً لوجودها في مجتمعات تكون فيها رؤى الطرفين متفقة حيال مستقبل شعوبهم، لكننا لا نعتقد أن يكون لها مبرر لدينا يستحق كل هذا الهدر للوقت والجهد في مناقشتها، وذلك لعدم وجود العلاقة بين أدوات وعناصر وغايات السياسي والمثقف. فالسياسي، ورغم أن أغلب أدواته وأدبياته تكون ملونة بالكذب والخداع والمصالح الخاصة، إلا أننا غالباً ما نراه يحسم الموقف، سواء كان موقفه الشخصي أو موقف شعبه أو طائفته أو حزبه، وذلك عن طريق إصراره على التغيير والذي غالباً ما يدركه حين يعبد طريقه بدماء وأرواح، بينما المثقف، ورغم أن أدواته وعناصر ثورته تكون مثالاً عليا ونظريات أخلاقية، لم نشهد يوماً أو نقرأ أنه استطاع أن يحسم موقف شعب، ناهيك عن عجزه لحسم موقفه الشخصي، وتلك حقيقة يؤكدها الواقع، إذ لم نشهد، وعلى مر التاريخ، أن قاد المثقفون ثورات اجتماعية أو سياسية بالقدر الذي يفعله السياسيون، وغالباً ما نرى مجرى الأحداث يتغير بثورات يكون رائدها السيف وليس القلم.

وأشار الصكر إلى أن "مفهوم المثقف إنما يتجسد في الفرد الذي يعي قضية شعبه، سواء كانت تلك القضية بحجم كسرة خبز أو مجرد حلم بالحرية. وبهذا المعنى يكون السياسي هو المثقف، ونحن في العراق عشنا زمن البعث البغيض المحنة سوية وشهدنا السجون وما كانت تكتظ به، وبأي رقاب كانت تتزين حبال المشانق، وربما لا يختلف معي حتى المثقفون على أنها كانت تكتظ بالسياسيين، وكانت حبائل مشانق الظلم لا تشتهي من خوفها إلا رؤوس تحمل أفكار التغيير." واستذكر الصكر قائلاً: "يوم قرر صدام وفي لحظة موت أن يغلق أبواب الحياة بوجه الجميع حيث راح أغلب العراقيين للبحث عن فرصة حياة خارج الحدود، وأيضاً نستطيع أن نتفق على أن حدود العراق كانت تغص بأصحاب الأفكار الثورية وبأصحاب الأقلام تحت الطلب."

"نعم، هرب الجميع، لنقل ذلك، ولكن كان من بينهم من قرر أنه لابد أن يعود يوماً، ويوم حانت ساعة العودة، رأينا من كانوا روادها وكيف عادوا، سواء (بكوستر) إنكليزي أو (بكيا) أمريكية أو (بستوته إقليمية) أو على ظهر فرس طروادي، بينما وجد أغلب المثقفين خلف حدود العراق مرتعاً ينسجم مع مستوى حبهم للحياة فاندمجوا فيه غير مكترثين لشعب صار يسكن مقابر جماعية."

"لسنا ضد أحد حتى يدعي خلاف واقعه أو يستبدل أدواته وغاياته بأدنى منها، فنحن ضد الطبيب حين يستبدل المشرط بالخنجر، وضد المهندس حين يستبدل قوانين الهندسة بمبدأ (عينك ميزانك)، وضد المثقف حين يغادر (عرينه) إلى طابور على باب سياسي، أو إلى منافسة غير متكافئة معه."

وأخيراً، "لا نرى مبرراً للتنافس بين السياسي والمثقف، لا سيما حين صار يفندها المثقفون أنفسهم من خلال محاولاتهم الجديدة لصنع أصنام جدد لسياسيين جدد. فلينظر كل منا إلى ما بين يديه من سلاح ليختار حلبة نزال تتفق وحجم سلاحه." وبعد هذه المقدمة عرض الصكر تلك التساؤلات لمناقشات الحضور على طاولة ملتقى النبأ للحوار.

إبراز دور المثقف 

وقال مدير ملتقى النبأ للحوار الكاتب الصحفي علي الطالقاني، تعقيباً على موضوع الملتقى، لضرورة إبراز دور المثقف والخروج من دائرة الحيادية والتصدي للمشهد السياسي بالتزامن مع الحديث عن الانتخابات في العراق المزمع عقدها في شهر أيلول المقبل وانتقال السلطة في العراق: يأتي الحديث عن دور النخب المثقفة من أجل أن تسهم في التطوير والمشاركة في العملية السياسية في العراق. وأضاف: "لذلك عقد الملتقى ندوتها الشهرية بعنوان غياب دور المثقف عن المشهد السياسي العراقي بمشاركة نخب سياسية وثقافية وجماهيرية، من أجل تهيئة أجواء للحوار بين هذه الشرائح." وأضاف الطالقاني: "إن الملتقى لديه إيمان عميق بدور المثقف وقدرته على التغيير الذي تنشده عملية الإصلاحات التي تقدم بها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وكذلك ما أكدت عليه المرجعية الدينية في العراق، مشيراً إلى أن الملتقى الحواري يأتي ضمن حديث الساعة في وقت يشهد العراق تظاهرات منذ عام تطالب بالإصلاحات أيضاً. من هنا أكد المشاركون على أهمية وجود دور حقيقي للنخب المثقفة."

جدلية العقد الاجتماعي

قال الروائي حسن البحار في مشاركته ضمن مناقشات الحوار: "في بداية كلامنا سنتحدث وبكل صراحة عن المشهد الثقافي ودور المثقف فيه، هل كان صوته متحرراً من قصد وعقد الأحزاب، وهل أن الفكر مستقل ويمتلك إرادة حرة، وهل كان ضميره حاضراً وليس غائباً عن الأحداث ليشخص مواطن أشباه الظلام؟ إن الدولة مطالبة بتفعيل العقد الاجتماعي كوثيقة صلح في تلبية رغبات المتعاقدين في السلم والتعايش المدني، وكذلك دعم الهيئات السياسية الأخرى التي تحمل برنامجاً تكاملياً يستقطب موازين القوى، وهذا ما يدعونا إلى القول بأن المثقف يحمل جمرة معاناة متقدة وآهات في قلبه على سياسة الدولة، ونعتقد أن هنالك جدلية قائمة بين ما يقدمه المثقف لأبناء وطنه ومجتمعه وبين محاولة عزله وتهميش دوره، وهذه سياسة تعتمدها وتسعى إليها الأحزاب بكافة مسمياتها في المشهد السياسي العراقي. ونؤكد مرة أخرى ومن خلال التجارب الدولية، ومنها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أن سر قوتها بالعقد الاجتماعي، والابتعاد عن التحزب وتسيير مؤسسات الدولة أو احتوائها وتقطيبها، هذا ما آليت إليه الأمور هنا."

ثقافة مغايرة للواقع

من جانبه أكد المخرج علي حسين، خريج كلية الفنون الجميلة / قسم المسرح، بأن ثقافة المسرح أصبحت هزيلة، وتعتمد في نصوصها على لغة تسخر من المشاهد وذائقته الفنية، وواقع الحال الذي رصدناه أنها تسعى متلهفة نحو المال بتداول قضايا بعيدة كل البعد عن تجليات الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي، وهنالك مسألة أخرى تتمثل في قلة المهرجانات التشكيلية. وطالب حسين الرئاسات الثلاث بالدعم المادي والمعنوي ووضع أناس أكفاء اختصاص بعيدين عن كل طائفية مقيتة.

جلباب الأدوار

وفي ذات الشأن يرى الشاعر غالي الخزعلي أن "ثقافة الرأي وسماع رأي الآخر لم تختلف عن خمسينية الزمن الماضي، حيث أنها تسعى إلى تجنيد المثقفين، والتي أخذت مدى واسعاً خلال كل الحروب التي خاضها مع دول الجوار، وهذه أيضاً سياسة قمعية حجمت وغيّبت دور المثقف، ووضعت حاجزاً وطوقاً أمنياً لا يمكن لأي مثقف عبوره إلا بجواز سفر القتل والتهجير، وجلباب الأدوار لا يختلف عن سابقه سوى صبغة اللون التي يرتدونها. ولذا فالثقافة والمثقفون هنا تحت تهديد طلقة التعبير عن الرأي، فإذا لم تكن معنا فانت علينا، وتلك ثقافة غير متخصصة يصعب التخاطب معها، فالخلل يكمن بغياب دور الحكومات المتلاحقة وبقانونها المتساهل مع اللصوص والقتلة والذي يضيع ضمنه صوت المثقف، وإن كان مدوياً فهو ليس أقوى من صوت الرصاص والفساد المتشعب بأغلال المجتمع."

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!