كيف تحولت النخبة العراقية من وعود بناء الدولة إلى ماكينة لإنتاج الفشل
علي الطالقاني*
بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير السياسي في العراق، يحق لنا أن
نتساءل: أين كانت النخبة العراقية من كل ما جرى؟ فالعراق لم يكن يفتقر إلى
السياسيين أو الأكاديميين أو الخبراء أو أصحاب الشهادات العليا، كما لم يكن يفتقر
إلى الأحزاب والتيارات التي رفعت شعارات الإصلاح وبناء الدولة.
وبرغم ذلك، ما زالت الأزمات المعقدة والأساسية تراوح مكانها، وكأن النخبة
كانت حاضرة في المشهد وغائبة عن الفعل الحقيقي أو التأثير.
المشكلة اليوم في طبيعة الدور الذي اختارته النخبة لنفسها، فبدلاً من أن
تكون قوة تدفع نحو التغيير والاصلاح، تحول جزء كبير منها إلى جزء من الواقع
القائم، يتكيف معه أكثر مما يسعى إلى تغييره.
ومع مرور الوقت أصبح الحفاظ على الموقع والنفوذ أكثر أهمية من البحث عن
حلول للمشكلات التي يعاني منها الناس. بعد عام 2003 نشأت طبقة واسعة من السياسيين
والمسؤولين وأصحاب النفوذ، لكن هذه الطبقة لم تنجح في التحول إلى نخبة وطنية تمتلك
رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، فبينما انشغل المواطن بمشكلات الخدمات والبطالة
والفساد، انشغلت القوى المؤثرة بصراعات السلطة والتوازنات والتحالفات، وأصبحت
إدارة الخلافات السياسية هدفاً بحد ذاته، بينما تراجع الاهتمام ببناء المؤسسات
القادرة على معالجة المشكلات بشكل دائم.
ومع مرور السنوات، اعتادت النخبة على الأزمات، فعندما تظهر أزمة جديدة،
يكون التركيز غالباً على احتوائها أو تأجيل آثارها، لا على معالجة أسبابها، ولهذا
شهد العراق أزمات متشابهة تتكرر بأشكال مختلفة، بينما بقيت الحلول مؤقتة وردود
الأفعال متأخرة في كثير من الأحيان.
الأخطر من ذلك أن كثيراً من أبناء النخبة باتوا ينظرون إلى هذا الواقع على
أنه أمر طبيعي، وبدلاً من السؤال عن أسباب الفشل، أصبح الحديث يدور حول صعوبة
الظروف وتعقيدات المشهد وكأنها مبررات دائمة للعجز.
ومع الوقت تحول التكيف مع المشكلة إلى بديل عن حلها، وأصبح البقاء داخل
المنظومة أهم من محاولة إصلاحها.
ولا يمكن إنكار وجود شخصيات كفوءة ومخلصة داخل مؤسسات الدولة وخارجها، لكن
تأثيرها بقي محدوداً أمام منظومة واسعة تقوم على التوازنات والمصالح المتشابكة.
لذلك كثيراً ما بقيت الأفكار الجيدة حبيسة مراكز الدراسات والندوات
والمؤتمرات والتقارير، دون أن تتحول إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع.
إعادة تعريف الدور
بعد أكثر من عقدين، يبدو أن التحدي الأكبر أمام العراق في إعادة تعريف دور
النخبة نفسها، فان الدول تتقدم بوجود نخب قادرة على قول الحقيقة، وتحمل المسؤولية،
وتقديم البدائل، والدفاع عن المصلحة العامة حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالحها
الخاصة.
النخبة التي تكتفي بشرح الأزمات ليست بالضرورة نخبة تقود التغيير، والنخبة
التي تتكيف مع الخلل باستمرار قد تصبح جزءاً منه من حيث لا تشعر، ولهذا يبقى
السؤال مطروحاً: هل تستطيع النخبة العراقية أن تتحول من إدارة الأزمات إلى صناعة
المستقبل، أم أنها ستبقى تدور في الحلقة نفسها التي يدور فيها البلد منذ سنوات؟
إن الإجابة على هذا السؤال بمدى شجاعة هذه النخبة على كسر حالة التكيف التي
استغرقت فيها طويلاً، ولتدرك النخبة إن التاريخ لا يسجل أسماء من كانوا يملكون
المعرفة والقدرة ولكنهم آثروا الصمت أو الانحياز، إنما التاريخ يسجل أسماء من
امتلكوا جرأة المواجهة الأخلاقية مع الخلل.
قد لا يكون التغيير سهلاً أو سريعاً، لكنه يبدأ بخطوة وعيٍ جريئة، وأن تدرك
النخبة أن بقاءها في المنطقة الآمنة، بعيداً عن صراعات الإصلاح الحقيقية، هو في
جوهره تخل عن مسؤوليتها التاريخية.
العراق اليوم بحاجة إلى نخبة مبادرة، نخبة لا تكتفي بالمراقبة من بعيد أو
تكتفي بتشخيص العيوب، فان الدولة لا تبنى بالنوايا، ولا تصلح بالحلول المؤقتة وانما
تبنى بعقول تضع المصلحة الوطنية بوصلة لا تحيد، وبإرادة لا تقبل بأنصاف الحلول.
بينما تمر الأيام، تظل النافذة مفتوحة لتصحيح المسار، فإما أن تكون النخبة
هي المحرك الحقيقي لبناء هذه الدولة، أو ستظل جزءاً من العائق الذي يمنعها من
النهوض.
في النهاية، سيحكم التاريخ على هذه الحقبة بغير ما قالته النخبة، وانما بما
فعلته لإنقاذ البلاد من حالة الدوران في الحلقة المفرغة.
*رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!