كيف أصبحت أمريكا تشبه دولة شرق اوسطية
عندما أتابع تصريحات كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الحالية، أشعر
أحياناً وكأنني أتابع مؤتمراً صحفياً في إحدى دول الشرق الأوسط، لا في الدولة التي
طالما قدمت نفسها باعتبارها راعية الديمقراطية وحامية المؤسسات. ففي كل مناسبة
تقريباً، تتكرر عبارات الإشادة بالرئيس ورؤيته الاستثنائية وحكمته في إدارة
الملفات، وكأن النجاح لم يعد نتاج عمل المؤسسات بل ثمرة عبقرية الفرد الواحد. وحين
أرى أفراد العائلة والمقربين والأصدقاء يحتلون مواقع مؤثرة في دوائر القرار،
أتساءل: ما الذي جرى لأمريكا؟ وأين ذهبت تلك الصورة التي طالما رسمتها لنفسها
بوصفها دولة المؤسسات والقانون؟
قد يكون من المبالغة القول إن رئيساً واحداً قادر على إسقاط إمبراطورية
بحجم الولايات المتحدة، لكن التاريخ يعلمنا أن بعض القادة يستطيعون تسريع مسار
الانحدار عندما يختزلون السياسة في حسابات الربح والخسارة، ويحولون الدولة من
مشروع حضاري إلى مشروع تجاري. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى ظاهرة دونالد ترامب
بوصفها واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث،
وربما أحد العوامل التي تدفع نحو إعادة تشكيل الحلم الأمريكي بصورته التقليدية.
إن شعار "أمريكا أولاً" يبدو للوهلة الأولى شعاراً وطنياً
جذاباً، لكنه يحمل في داخله نزعة انعزالية قد تقوض الأسس التي قامت عليها القوة
الأمريكية الحديثة. فالولايات المتحدة لم تصبح القوة الأولى في العالم فقط بسبب
اقتصادها الضخم أو تفوقها العسكري، بل لأنها نجحت لعقود طويلة في بناء شبكة واسعة
من التحالفات والمؤسسات الدولية، وقدمت نفسها باعتبارها قائدة للنظام العالمي
ومدافعة عن قيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، رغم كل التناقضات التي شابت
سياساتها.
لقد كشف وصول رجل أعمال إلى البيت الأبيض جانباً مهماً من أزمة السياسة الحديثة.
فإدارة شركة تجارية تختلف جذرياً عن إدارة دولة عظمى. التاجر يقيس نجاحه بالأرباح
السريعة والأرقام الفصلية، أما رجل الدولة فيقيس نجاحه بمدى قدرة بلاده على حماية
مصالحها الاستراتيجية والمحافظة على نفوذها وتحالفاتها لعقود طويلة. وهنا تكمن
المعضلة الأساسية في تجربة ترامب؛ إذ بدا في كثير من الأحيان وكأنه يتعامل مع
السياسة الدولية بوصفها سلسلة من الصفقات التجارية، بينما هي في حقيقتها شبكة
معقدة من المصالح والقيم والتاريخ والتوازنات الحساسة.
لقد وصلت البشرية بعد قرون من الحروب والصراعات إلى منظومة دولية تقوم على
التعاون والمؤسسات المشتركة والقانون الدولي. هذه المنظومة لم تنشأ صدفة، بل كانت
ثمرة جهود فلاسفة ومفكرين وسياسيين ونضالات شعوب دفعت أثماناً باهظة للوصول إلى
عالم أكثر استقراراً. وكانت الولايات المتحدة نفسها أحد أبرز المهندسين لهذا
النظام بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن السياسات التي انتهجها ترامب بدت للكثيرين وكأنها محاولة للانسحاب
التدريجي من هذا الدور التاريخي. فالشكوك المتكررة تجاه المؤسسات الدولية،
والتعامل مع التحالفات التقليدية بمنطق الكلفة المالية فقط، وإعطاء الأولوية
للمكاسب الآنية على حساب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، كلها مؤشرات أثارت
القلق بشأن مستقبل الدور الأمريكي في العالم.
والمفارقة أن الولايات المتحدة التي كانت لعقود طويلة تقدم نفسها نموذجاً
في احترام المؤسسات، شهدت في السنوات الأخيرة تصاعداً لخطاب شخصاني يربط نجاح
الدولة بشخص الرئيس أكثر مما يربطه بقوة المؤسسات. وهذه الظاهرة ليست جديدة على
دول الشرق الأوسط، حيث اعتادت الأنظمة السياسية على تضخيم دور الزعيم وإضعاف دور
المؤسسات، لكنها كانت دائماً بعيدة نسبياً عن النموذج الأمريكي الذي افتخر بقدرته
على الفصل بين الأشخاص والدولة.
الأخطر من ذلك أن هذه التحولات تأتي في لحظة تاريخية تشهد صعود قوى دولية
منافسة مثل الصين وروسيا. فالإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل تبدأ
بالتآكل من الداخل عندما تفقد ثقتها بقيمها الأساسية، وعندما تتحول من مشروع عالمي
يحمل رسالة واضحة إلى قوة مرتبكة تحكمها الحسابات اللحظية والانقسامات الداخلية.
إن التخبط في بعض الملفات الدولية الكبرى، والانقسام الحاد داخل المجتمع
الأمريكي، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية، كلها مؤشرات على أن
الولايات المتحدة تمر بمرحلة مراجعة عميقة لهويتها السياسية. ففي الماضي كانت القرارات
الأمريكية، حتى عندما يختلف معها كثيرون، تبدو نتاجاً لمؤسسات راسخة ومراكز دراسات
واستراتيجيات طويلة الأمد. أما اليوم، فكثير من السجالات السياسية تبدو أقرب إلى
معارك شعبوية يومية منها إلى نقاشات دولة تقود النظام العالمي.
ومع ذلك، فإن من الخطأ الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن تصحيح
مسارها. فالقوة الحقيقية لأمريكا لم تكن يوماً في رئيسها، بل في مؤسساتها
الدستورية والقضائية والتشريعية، وفي قدرتها على مراجعة أخطائها عبر الآليات
الديمقراطية. ولهذا لا أتصور أن الأمور ستستمر على هذه الشاكلة إلى ما لا نهاية.
فالقضاء الأمريكي المعروف باستقلاليته وقوته، والكونغرس بمجلسيه، ووسائل الإعلام
الحرة، والمجتمع المدني، كلها عوامل تجعل من الصعب على أي رئيس أن ينفرد بالمشهد
السياسي طويلاً.
وربما تكون الانتخابات النصفية المقبلة بداية ظهور رد فعل سياسي ومؤسساتي
يعيد التوازن إلى الحياة العامة. كما أن حجم الاستقطاب الداخلي يوحي بأن الطريق
أمام ترامب لن يكون هادئاً أو خالياً من التحديات. فالولايات المتحدة مرت بأزمات
أكبر من الأشخاص، وكانت دائماً قادرة على إنتاج أدوات التصحيح الذاتي.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت أمريكا ستنهار، بل ما إذا كانت
ستنجح في استعادة الفكرة التي صنعت عظمتها. فالقوة الأمريكية لم تقم على المال
وحده، ولا على الجيش وحده، بل على قدرتها على إقناع العالم بأنها دولة مؤسسات
وقانون وقيم. وحين تتراجع هذه الفكرة، وتتحول الدولة العظمى من قائد للنظام الدولي
إلى مجرد تاجر كبير يبحث عن أفضل صفقة، فإن أجراس الإنذار تبدأ بالقرع، حتى وإن لم
يسمعها الجميع بعد.
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!