Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

البطل ورجل الدولة

د
د. محمد القريشي
السبت، 13 يونيو 2026 0 دقائق للقراءة
البطل ورجل الدولة

توفي نابليون بونابرت في منفاه بجزيرة سانت هيلين عام 1821، وكان قد أوصى بأن يُنقل جثمانه إلى فرنسا. وبعد تسعة عشر عاما من وفاته، وافقت الحكومة البريطانية على إعادة رفاته إلى وطنه، فنُقل إلى باريس في احتفال مهيب عُرف في التاريخ الفرنسي باسم “عودة الرماد”.

وفي 15 ديسمبر 1840، احتشدت جموع هائلة من الفرنسيين على امتداد شوارع العاصمة لمواكبة موكب التشييع الذي انتهى إلى مقبرة ليزانفاليد، حيث يرقد نابليون إلى اليوم.
وقد لفت ذلك المشهد انتباه الكاتب الشاب حينها، فيكتور هيجو بسبب دلالته الرمزية البالغة. حيث مرّت الحشود الغفيرة بالقرب من نصب "جلبيرت لافاييت" بطل الثورتين الفرنسية والأميركية وأحد أبرز المدافعين عن الحرية الدستورية، دون أن تبدي نحوه ما أبدته من حماس وحرارة مشاعر تجاه نعش نابليون.
ورأى هيجو في هذا المشهد المثير، تعبيرا عن تفاوت المكانة التي يحتلها الرجلان في الذاكرة الشعبية الفرنسية، ففي الوقت الذي كان يمثل "لافاييت" في الوعي الفرنسي قيم الحرية والاعتدال الدستوري، كان نابليون يجسد، رغم مغامراته وأخطائه، العبقرية والقوة والإنجاز الاستثنائي. ولم يدخر لافاييت بصفته ثائر عالمي وسياسي حاذق، جهدا في انتقاد نزعات نابليون السلطوية، وكشف خطورة طموحه الإمبراطوري على الحريات التي ناضل من أجلها.
ولكن الجماهير، في كثير من الأحيان، لا تخلّد أسماء المؤسسين الحقيقيين بالقدر نفسه الذي تتذكر فيه أسماء القادة الذين هزّوا التاريخ بالحروب والانتصارات والتحولات الكبرى. وهي مفارقة تُظهر جانبا من طبيعة الذاكرة الشعبية؛ إذ تنجذب بطبعها إلى العظمة الدرامية أكثر من انجذابها إلى العمل المؤسسي الهادئ، وتحتفي بمن يترك اثرا مدويا، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها أو مصالح أجيالها المتعاقبة.
وتختلف هذه "العظمة الدرامية"، التي تهيمن على وعي الجمهور، عن "العظمة العقلانية" التي تصنعها النخب وترتبط بمصالح الدولة ومستقبلها. ووفقا لهذا الاعتبار، لم يكن نابليون، في نظر كثير من الكتّاب والمؤرخين، "رجلَ دولة" بقدر ما كان سياسياً وضع الدولة رهينةً لطموحاته الشخصية. وهو ما يفسر التحول الذي طرأ على نظرة الكاتب الفرنسي الرومانسي شاتوبريان، الذي عاصر نابليون، كما عاصر في الوقت نفسه جورج واشنطن خلال مرحلة التأسيس الأمريكي.
وقد أدرك شاتوبريان إشكالية عظمة نابليون بسبب ضعف اهتمامه بالصالح العام وسهولة لجوئه إلى العنف والقتل، في مقابل عظمة واشنطن التي رأى فيها "عظمة مختلفة". فوصفه بأنه "رئيس كريم، محب للقانون، وجمهوري حداثوي، يجمع بين عمق ضارب في القدم وتواضع روماني، ويجسد نموذجا للجندي المواطن".
وازدادت مكانة جورج واشنطن في نظر شاتوبريان عندما غادر السلطة بعد ولايتين رئاسيتين عام 1797، رغم قدرته على البقاء مدة أطول بحكم حداثة تأسيس الجمهورية الأمريكية. فقد عاد إلى منزله من دون أن يُظهر أي حزن على ترك السلطة، وهو ما لم يلمسه شاتوبريان في نابليون، الذي هيمن عليه الحزن بعد فقدانه السلطة، فعاش وحيدا ومنكمشا على نفسه. ولذلك كتب عنه: "لقد رأيت فيه الطاغية الذي صار فقاعة فارغة الروح، لا رجل دولة".

وفي السياق ذاته، انتقد شارل ديغول تجربة نابليون بونابرت في كتابه "فرنسا وجيوشها" الصادر عام 1933، إذ كتب: "لقد كان سقوطه هائلا بقدر عظمته، وترك فرنسا مسحوقة، خالية من الشجاعة، وأصغر مما كانت عليه في بداية عهده".
وهكذا، فإن التاريخ لا يخلط دائما بين "البطل" و "رجل الدولة". فالبطل قد يفرض اسمه على ذاكرة الجماهير بما يثيره من إعجاب وانفعال، أما "رجل الدولة" فتقاس منزلته بما يتركه من استقرار ومؤسسات ومصلحة عامة. وبينما تمنح الذاكرة الشعبية الخلود غالباً لأصحاب العظمة الدرامية، يميل حكم التاريخ الطويل إلى تفضيل أولئك الذين عرفوا كيف يقيدون طموحاتهم الشخصية في سبيل بناء دولة تبقى بعدهم.

الكلمات المفتاحية

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!